عبد القاهر الجرجاني
21
أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية )
به الفرق عليهما ، حتى إنه لو رام تركهما إلى خلافهما مما لا تجنيس فيه ولا سجع ، لدخل من عقوق المعنى وإدخال الوحشة عليه ، في شبيه بما ينسب إليه المتكلف للتّجنيس المستكره ، والسجع النّافر . ولن تجد أيمن طائرا ، وأحسن أوّلا وآخرا ، وأهدى إلى الإحسان ، وأجلب للاستحسان ، من أن ترسل المعاني على سجيّتها ، وتدعها تطلب لأنفسها الألفاظ ، فإنها إذا تركت وما تريد لم تكتس إلا ما يليق بها ، ولم تلبس من المعارض إلا ما يزينها . فأمّا أن تضع في نفسك أنه لا بدّ من أن تجنس أو تسجع بلفظين مخصوصين ، فهو الذي أنت منه بعرض الاستكراه " 1 " ، وعلى خطر من الخطأ والوقوع في الذّمّ ، فإن ساعدك الجدّ كما ساعد في قوله : " أو دعاني أمت بما أو دعاني " ، وكما ساعد أبا تمام في نحو قوله : [ من الطويل ] وأنجدتم من بعد اتهام داركم * فيا دمع أنجدني على ساكني نجد " 2 " وقوله : [ من الكامل ] هنّ الحمام ، فإن كسرت عيافة * من حائهن فإنهنّ حمام " 3 " فذاك ، وإلّا أطلقت ألسنة العيب ، وأفضى بك طلب الإحسان من حيث لم يحسن الطلب ، إلى أفحش الإساءة وأكبر الذنب ، ووقعت فيما ترى من ينصرك ، لا يرى أحسن من أن لا يرويه لك ، ويودّ لو قدر على نفيه عنك ، وذلك كما تجده لأبي
--> ( 1 ) أي : بجانب الاستكراه ، والمقصود ذم تكلف التجنيس وطلب التحسين وتعمده واستكراه اللفظ عليه دون أن يقتضيه المعنى ، وتنقاد له النفس ، ويستلذه الحسّ ؛ وليس معنى ذلك أن اختيار التجنيس وأشباهه من المحسنات مذموم إذا كان موافقا للمعنى ، مطابقا للمقتضى ، فإذا حضرك لفظان أحدهما يوافق المعنى بلا تجنيس ، والآخر يوافقه مع زيادة التجنيس أو التحسين ؛ فإن حق البلاغة والفصاحة هنا اختيار اللفظ الذي هو آنق في السمع ، وأوفق للنفس والحسّ ؛ فإن التحسين والتزيين المطابق لا يخفى أنه يقع من البلاغة بمكان ، وأنه هو الذي يجذب النفس إلى المعاني ، ويهون عليها ثقل اللفظ ورتابته . ( 2 ) البيت في ديوانه : 120 من قصيدة قالها في مدح موسى بن إبراهيم الرافقيّ ويعتذر إليه ، وقبله : شهدت لقد أقوت مغانيكم بعدي * ومحّت كما محّت وشائع من برد والبيت في الإيضاح : 337 ، تحقيق د . عبد الحميد هنداوي . أنجدتم : سكنتم نجدا . اتهام داركم : اتخاذها في تهامة . أنجدني : ساعدني وعاوني . ( 3 ) البيت لأبي تمام في ديوانه : 263 ، عن قصيدة في مدح المأمون ، وقبله : أتحدّرت عبرات عينك أن دعت * ورقاء حين تصعصع الإظلام لا تنشجينّ لها فإن بكاءها * ضحك وإن بكاءك استغرام العيافة : زجر الطير . والحمام : الموت . استغرام : أي : داع للغرام وهو الهلاك .